الشيخ حسن أيوب

179

الحديث في علوم القرآن والحديث

متى يفيد المتواتر العلم الضروري اعلم أن الخبر المتواتر لا يكون مفيدا للعمل الضروري إلا بشروط : منها ما يرجع إلى المخبرين ، ومنها ما يرجع إلى السامعين ، فالتي ترجع إلى المخبرين أربعة : الشرط الأول : أن يكونوا عالمين بما أخبروا به غير مجازفين ، فلو كانوا ظانين لذلك فقط ؛ لم يفد القطع ، هكذا اعتبر هذا الشرط جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر الباقلاني ، وقيل إنه غير محتاج إليه لأنه إن أريد وجوب علم الكل به فباطل ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون بعض المخبرين به مقلدا فيه أو ظانّا له أو مجازفا ، وإن أريد وجوب علم البعض فمسلّم ولكنه مأخوذ من شرط كونهم مستندين إلى الحس . الشرط الثاني : أن يعلموا ذلك عن ضرورة من مشاهدة أو سماع ؛ لأن ما لا يكون كذلك يحتمل دخول الغلط فيه . قال الأستاذ أبو منصور : فأما إذا تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه واعتقدوه بالنظر والاستدلال أو عن شبهة ، فإن ذلك لا يوجب علما ضروريّا ؛ لأن المسلمين مع تواترهم يخبرون الدهرية بحدوث العالم وتوحيد الصانع ، ويخبرون أهل الذمة بصحة نبوة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم فلا يقع لهم العلم الضروري بذلك ؛ لأن العلم به من طريق الاستدلال دون الاضطرار . اه . ومن تمام هذا الشرط أن لا تكون المشاهدة والسماع على سبيل غلط الحس كما في أخبار النصارى بصلب المسيح عليه السّلام . وأيضا لا بد أن يكونوا على صفة يوثق معها بقولهم ، فلو أخبروا متلاعبين أو مكرهين على ذلك ؛ لم يوثق بخبرهم ولا يلتفت إليه . الشرط الثالث : أن يصل عددهم إلى حد يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب ، ولا يقيد ذلك بعدد معين بل ضابطه حصول العلم الضروري به ، فإذا حصل ذلك علمنا أنه متواتر وإلا فلا ، وهذا قول الجمهور ، وهناك أقوال كثيرة غير ذلك لا يعبأ بها . الشرط الرابع : وجود العدد المعتبر في كل الطبقات ، فيروى ذلك العدد عن مثله إلى أن يتصل بالمخبر عنه . وقد اشترط عدالة النقلة لخبر المتواتر ، فلا يصح أن يكونوا أو بعضهم غير عدول ، وعلى هذا لا بد أن لا يكونوا كفارا ولا فسّاقا . ولا وجه لهذا الاشتراط ؛ فإن حصول العلم الضروري بالخبر المتواتر لا يتوقف على ذلك ، بل يحصل بخبر الكفار والفساق والصغار المميزين والأحرار والعبيد وذلك هو المعتبر .